بعد الأربعين: لماذا يضلّ بعض الرجال ويزداد آخرون حكمةً وثباتًا؟
يلاحظ كثير من الناس تغير بعض الرجال بعد سن الأربعين، فترى من كان محافظًا ومستقيمًا ثم تغيرت بعض سلوكياته، وقد ترى في المقابل من ازداد وقارًا وحكمةً وقربًا من الله. فما السر؟
أولًا: لماذا يتغير بعض الرجال بعد الأربعين؟
ليس لذلك سبب واحد، بل قد تجتمع عدة أسباب، منها:
1- ضعف الأساس الإيماني
بعض الناس كان ملتزمًا بسبب العادات أو البيئة أو نظرة المجتمع، لا بسبب قناعة إيمانية راسخة، فإذا تغيرت الظروف ظهر ما كان مستترًا.
2- الفراغ بعد تحقيق الأهداف
يتزوج، ويبني منزله، ويربي أبناءه، ويحقق استقرارًا ماليًا، ثم يجد نفسه بلا هدف جديد أو رسالة يسعى إليها.
3- أزمة منتصف العمر
حين يدرك الإنسان أن جزءًا كبيرًا من العمر قد مضى، قد يبحث عن التغيير أو الإثارة، وبعضهم يسلك لذلك طرقًا غير صحيحة.
4- محاولة تعويض ما فات
يظن بعض الناس أنه حرم نفسه من أمور كثيرة في شبابه، فيحاول تعويضها متأخرًا، وقد يقع في أخطاء لم يكن يتوقعها.
5- تأثير الصحبة والبيئة
الصديق والمجلس والبيئة الجديدة قد تكون سببًا في تغير القناعات والسلوكيات مع مرور الوقت.
6- الملل من الروتين
إذا لم يجد الإنسان وسائل مباحة للتجديد في حياته، فقد يبحث عن التغيير في أمور لا تنفعه.
الصورة المشرقة: رجال يزدادون صلاحًا بعد الأربعين
في المقابل هناك رجال يزدادون نضجًا وثباتًا كلما تقدم بهم العمر.
هؤلاء تعلموا دروسًا لا تُشترى بالمال:
- أدركوا أن المال مهم لكنه لا يصنع السعادة وحده.
- عرفوا أن مدح الناس وذمهم لا يغيران الحقائق.
- فهموا أن العمر أقصر من أن يضيع في الخصومات والمعارك الصغيرة.
- شاهدوا أن كثيرًا من الشهوات التي يطاردها الناس لا تحقق السعادة التي يتخيلونها.
فتتغير أولوياتهم.
يصبح همهم:
- صلاة خاشعة.
- أسرة مستقرة.
- أبناء صالحون.
- عمل نافع.
- صدقة جارية.
- سمعة طيبة.
- صحة وعافية.
- استعداد للآخرة.
بعد الأربعين يتغير مفهوم النجاح
في الشباب يكون النجاح غالبًا:
أن أصل إلى ما أريد.
أما بعد النضج فيصبح:
أن أصل إلى ما أريد دون أن أخسر ديني وأهلي ونفسي في الطريق.
فيستمر الطموح، لكن يصبح أكثر اتزانًا وحكمة.
قناعة عظيمة يصل إليها العقلاء
مع مرور السنين يدرك الإنسان أن:
ليس كل ما أستطيع فعله ينبغي أن أفعله.
وليس كل ما أرغبه ينفعني.
وليس كل ما فاتني خسارة.
عندها تقل المقارنات، ويزداد الرضا، ويصبح أكثر شكرًا لما بين يديه.
الثروة الحقيقية
بعد الأربعين يبدأ بعض الرجال بجمع ثروة من نوع آخر:
- ولد صالح يدعو له.
- علم ينتفع به.
- صدقة جارية.
- علاقات طيبة.
- ذكر حسن بين الناس.
- أعمال صالحة يجدها يوم القيامة.
هذه ثروة لا تتأثر بالأزمات، ولا تنخفض قيمتها، ولا تسرقها الأيام.
خاتمة
العبرة ليست ببلوغ الأربعين أو الخمسين، بل بما يزداد في القلب عند بلوغها.
فمن كانت علاقته بالله صادقة، ازداد قربًا وثباتًا وحكمةً مع مرور الزمن.
ومن عاش بلا هدف ولا رسالة، فقد يجد نفسه تائهًا مهما امتلك من مال أو متاع.
قال تعالى:
﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: 99]
فالسعيد من كانت خاتمته خيرًا من بدايته، وكان ما بقي من عمره أصلح مما مضى.
✍️ محمد الساعدي الحربي.